عبد الملك الجويني

191

نهاية المطلب في دراية المذهب

النقص ، ويلزمه رد المغصوب ناقصاً مجبوراً [ بالأرشِ ] ( 1 ) المغروم ، ولا فرق بين أن يتفاحش النقص ، وبين أن يقل . وأبو حنيفة لم يرع هذا الأصل ، وأعرض عنه في مسائل خلطَها ، وتخبط فيها ، ونحن نأتي بها ، ونخرجها على أصلنا ، ونبين مذهب أبي حنيفة فيها ، وننبه على مأخذه . والغرضُ بذكر ذلك من مذهبه وضوحُ تميز أصلنا عن أصله . فإذا غصب الرجل عبداً ، وقطع يديه ، وفرعنا على أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته ، وأوجبنا القيمة الكاملة ، فيجب على الغاصب الجاني بذلُ القيمة ، وردُّ العبد المجني عليه على مالكه . وأبو حنيفة ( 2 ) يزعم أنه إذا غرِم القيمةَ ، ملك العبد المجني عليه ، وطرد هذا الأصل في كل جنايةٍ أرْشُها كمال القيمة ، وادّعى أن الواجب عند قطع اليدين قيمةُ العبد ، لا أرشُ اليدين ، ثم ادعى استحالةَ اجتماع القيمة والمقوّم المجني عليه في ملك المغصوب منه ، ووافق أن الغاصب لو قطع إحدى اليدين ، والتزم نصف القيمة ، لم يملك من العبد شيئاً . ونحن نقول : الواجب في اليدين - وإن بلغ مقدارَ القيمة - أرشُ اليدين لا قيمةُ الرقبة . فهذا نوع من التغايير التي تلحق المغصوب . ولو غصب رجل ثوباً ، وخرَّقه خِرقاً ، ومزقه مِزقاً ، فأصلنا أنه يغرَم ما نقص ، ويرد الخِرق ، وإن صارت سلكاً سلكاً . وأبو حنيفة يقول في هذا النوع : إذا أحدث الغاصب تغيراً يبطل به معظمُ منفعة المغصوب ؛ فإنّه يغرَم القيمة ، ويملك ذلك المغصوب المغيّر ( 3 ) ، وبنى عليه مسائلَ ، منها : أنه لو غصب عمامةً وشقها طولاً ، فإنه يغرَم قيمتها صحيحة ، ويملك المنديل المشقوق ، ولو شقه عرضاً ردّه ، وردَّ أرش النقص . ولو غصب شاة ، وذبحها ، لم يملكها ، ولو شوى اللحمَ ، أو طبخه غرِم قيمةَ الشاة ، وملك اللحم المشويَّ . وقال : لو غصب ثوباً ، وصبغه بصبغٍ ( 4 ) يقتل صبغاً

--> ( 1 ) في الأصل : بأرش المغروم . ( 2 ) ر . رؤوس المسائل : 346 مسألة 226 ، إيثار الإنصاف ؛ 256 . ( 3 ) ر . مختصر اختلاف العلماء : 4 / 175 مسألة 1863 ، المبسوط : 11 / 86 . ( 4 ) عبارة ( ت 2 ) : بصبغ يكفي أن يكون لثوب يقتل .